المعايير المزدوجة الأوروبية تجاه اللاجئين

أوروبا لها تأريخ طويل في مساعدة اللاجئين الفارين من النزاعات والكوارث، ويفخر كثير من الناس بحق بهذه السمعة. لكن عندما نبدأ بالتطرق إلى هذا التأريخ، وسرعان ما يتضح أنه لم يتم التعاطي مع جميع أزمات اللاجئين في القارة بنفس الطريقة

وصول الأطفال اللاجئين الهولنديين إلى بريطانيا في تلبوري، إسيكس، ١٩٤٥

بادئ ذي بدء من الجدير بالتلخيص الوضع العالمي بالنسبة للاجئين. تعرف اتفاقية عام ١٩٥١ الخاصة بوضع اللاجئين اللاجئ بأنه شخص وجد نفسه خارج البلد التي يحمل جنسيتها أو بلد إقامته السابقة بسبب الخوف من التعرض للاضطهاد ولا يستطيع أو لا يرغب في العودة إلى ذلك البلد بسبب ذلك الخوف. وفي الوقت الحالي هناك ٢٦،٦ مليون لاجئ حول العالم. وينحدر ٦٨٪ من جميع اللاجئين من خمسة بلدان فقط و٣٩٪ منهم يقيمون في خمسة بلدان. تستضيف تركيا أكبر عدد من اللاجئين، حيث يبلغ عددهم ٣،٧ مليون شخص. متوسط الفترة الزمنية التي يظل فيها شخص ما لاجئاً هو ١٧ عاماً، وأقل من ١٪ من اللاجئين الرسميين يتم إعادة توطينهم بشكل دائم في بلد جديد

هرب أكثر من ١،٥ مليون لاجئ أوكراني منذ ٢٤ شباط من جراء الغزو الروسي لأوكرانيا الذي تسبب في الضحايا المدنيين وتدمير البنية التحتية المدنية ونقص الضروريات اليومية. نزحت الأغلبية الساحقة إلى بولندا، حيث يبلغ عددهم حوالي ٩٠٠ ألف تقريباً أو ٥٧،٧٪ من الإجمالي. يقدر أن ٤ مليون أوكراني في مجموع قد يغادرون بلدهم في الأسابيع القادمة

ينحدر ٦٨٪ من جميع اللاجئين من خمسة بلدان فقط
محطة وارسو المركزية خلال أزمة اللاجئين الأوكرانية ٢٠٢٢
Kamil Czaiński, CC BY-SA 4.0, via Wikimedia Commons

حين نوازن بين تمثيل اللاجئين الأوكرانيين وتمثيل اللاجئين العرب في وسائط الإعلام، يتضح لنا فوراً أن هناك فرق هائل بين التمثيلين وليس من المبالغة القول أنّ المجتمع الغربي لا يعتبر المجموعتين ذات قيمة متساوية. صرح تشارلي داجاتا، كبير المراسلين الأجانب لشبكة سي بي إس نيوز، أن أوكرانيا “ليست مكاناً … مثل العراق أو أفغانستان، الذي شهد صراعاً مستعراً لعقود. هذه … مدينة متمدنة، … أوروبية …، مدينة لا تتوقع فيها ذلك، أو تأمل أن يحدث ذلك”. في وجهة نظره يستحق اللاجئين الأوكرانيين تعاطفنا أكثر من الذين يهربوا من العراق من عراق أو أفغانستان، لأنهم “متمدنون” بينما الأشخاص من خارج أوروبا يعيشون في أماكن حيث نتوقع هذه الحروب والكوارث. قال نائب المدعي العام الأوكراني السابق إن الوضع “عاطفي” لأنه يرى “الأوروبيين ذوي العيون الزرقاء والشعر الأشقر … يُقتلون كل يوم”، مما يشير إلى أنه لا يمكننا التعاطف إلا مع أولئك الذين يشبهوننا. وقالت صحفية أخرى “هذه ليست دولة نامية من العالم الثالث” عندما أعربت عن صدمتها من الوضع في أوكرانيا، وهي تنطوي إلى أن الحرب عادية ومقتصرة على الدول النامية. كل هذه التعليقات تظهر أن المجتمع الغربي لا يتعاطف مع جميع اللاجئين بنفس الطريقة

وليس الفكرة أننا نرى الاختلاف في نظرة الأوروبيين إلى اللاجئين من أوكرانيا واللاجئين غير الأوروبيين في الإعلام فحسب، بل في الاستجابة لهم من قبل الحكومات أيضاً وتبدو الحكومات الأوروبية كأنها مرحبة أكثر باللاجئين الأوروبيين أكثر مما هي ازاء اللاجئين غير الأوروبيين. فمن جهة، عقب الغزو الروسي لأوكرانيا، استبقت الحكومات تدفق اللاجئين وبعثت فرق المتطوعين لتوزيع الزاد مثل الغذاء، والماء، والأدوية، والملابس. يتم توفير النقل العام والاتصالات الهاتفية المجانية في جميع أنحاء أوروبا للاجئين الأوكرانيين أيضاً. قالت الحكومة البولندية إنه سيتم السماح للاجئين الفارين من الحرب في أوكرانيا بدخول البلد حتى بدون جوازات سفر أو غيرها من وثائق السفر الصالحة. أما من جهة أخرى، ففي الشتاء عام ٢٠٢١، تعامل حرس الحدود البولنديون مع لاجئين من العراق بشكل وحشي تسبب في جروح خطيرة. كان الآلاف من الناس عالقين بين حدود بيلاروسيا وبولندا بدون أي مأوى أو بطانيات أو ضروريات أساسية وهذا أسفر عن وفاة ما لا يقل عن ١٩ مهاجراً. أقامت بولندا سياجاً من الأسلاك الشائكة، وبدأت في بناء جدار بطول ١٨٦ كيلومتراً لصد طالبي اللجوء عن الدخول من بيلاروسيا. لما نقارن الحادثتين بهاتين الاستجابتين، ألسنا أمام حقيقة لا يمكن التغاضي عنها وهي أنّ الغرب يعامل اللاجئين بشكل مختلف حسب عرقهم؟

قوارب تحمل لاجئين تصل إلى شواطئ سكالا سيكاميا، ليسفوس، اليونان
Ggia, CC BY-SA 4.0, via Wikimedia Commons

تكمن الأسباب وراء هذه المعاملة غير المتساوية في معتقد سيادة البيض الذي يسود في أوروبا ويتجلى في التمييز العنصري. ربما العنصرية الدافع الرئيسي في صلب هذه المعايير المزدوجة – ورصدنا هذا في الأيام الأخيرة حيث واجه اللاجئون غير البيض العنف والانتهاكات العنصرية أثناء محاولتهم دخول بولندا من أوكرانيا – ومع ذلك لا يخلو الأمر من الإسلاموفوبيا أيضاً. فحين يفكر الكثير من الأوروبيين في اللاجئين من الشرق الأوسط، ينصرف الذهن إلى صور نمطية إسلامية من العنف والإرهاب واضطهاد المرأة. لكن ليس كل اللاجئين من الشرق الأوسط مسلمين وينتمي الكثيرون إلى أقليات عرقية، مثل اليزيدية، عانت من الاضطهاد في ظل الجماعات المتطرفة. لذا ليس من الصائب القول إن كل اللاجئين غير الأوروبيين يشكلوا مجموعة واحدة متجانسة. أما اللاجئون المسلمون، فالصور النمطية السلبية المرتبطة بهم مغلوطة ويسيسها الزعماء اليمينيين الشعبويين لتحريض الكراهية على اللاجئين والمسلمين الذين يبحثون عن الأمن. وبالتالي لا يجوز والحالة هذه أن نبرر الإسلاموفوبيا ضد اللاجئين المسلمين

منح اللجوء للاجئين يجب ألا يستند إلى أي شيء سوى مساعدة الأبرياء الذين يحتاجون إلى الحماية. في أوروبا، يجب أن نتغلب على العنصرية والإسلاموفوبيا لدينا وأن نظهر بدلاً من ذلك كرمنا غير المشروط وقيمنا الإنسانية والتزامنا بتوفير الحماية لكل من يحتاجها

لاجئون على الطريق السريع المجري M1 في مسيرتهم نحو الحدود النمساوية
Joachim Seidler, photog_at from Austria, CC BY 2.0, via Wikimedia Commons