ما المقصود بالنزوح الداخلي؟

حين نفكر في أولئك الذين يهربون من الحرب أو الصراع أو الكارثة ينصرف الذهن إلى أفكار من أولئك الذين يعبرون الحدود إلى دول أخرى – وفي كلمات أخرى نفكر في اللاجئين. لكن ليس من الصائب القول إن اللاجئين يمثلون أكثرية أولئك الذين يعانون من التشريد القسري، حيث أكثر من نصف هؤلاء الأشخاص لا يعبرون حد دولي. نسمي ‌‌‌‌‌هؤلاء الأشخاص النازحون داخلياً

بادئ ذي بدء من الجدير تعيين المعنى مما يقصد المصطلح “النزوح الداخلي”. طبقاً لمبادئ توجيهية بشأن التشريد الداخلي نُشرت من قبل الأمم المتحدة عام ١٩٩٧

يُقصد بالمشردين داخلياً الأشخاص أو جماعات الأشخاص الذين أُكرهوا على الهرب أو على ترك منازلهم أو أماكن إقامتهم المعتادة أو اضطروا إلى ذلك، ولا سيما نتيجة أو سعياً لتفادي آثار نزاع مسلح أو حالات عنف عام الأثر، أو انتهاكات حقوق الإنسان، أو كوارث طبيعية، أو كوارث من فعل البشر ولم يعبروا الحدود الدولية المعترف بها للدولة

ويتعرض الأشخاص الذين يُجبرون على الفرار من منازلهم إلى ضعف شديد في عدد من المناطق. على سبيل المثال يعاني النازحون داخلياً من معدلات وفيات أعلى بكثير من عامة السكان. كما أنهم ما زالوا عرضة لخطر الاعتداء الجسدي والاعتداء الجنسي والاختطاف، وكثيراً ما يُحرمون من المأوى المناسب والغذاء والخدمات الصحية. ومن الجدير بالملاحظة أن الأغلبية الساحقة من النازحين داخلياً هم من النساء والأطفال المعرضين بشكل خاص لخطر انتهاك حقوقهم الأساسية. وفي سياق حديثه عن الحقوق الأساسية للنازحين داخلياً، فلا يتمتع بوضع خاص في القانون الدولي مع حقوق خاصة بوضعهم وهذا على عكس اللاجئين

سفير الولايات المتحدة لدى اليابان يتحدث مع السكان المحليين اليابانيين في 23 مارس 2011 في مخيم للنازحين الداخليين.
(U.S. Marine Corps photo by Lance Cpl. Steve Acuff/Released)

وفقاً للمعطيات التي جمعها مركز رصد التشرد الداخلي، كان هناك ٥٥ مليون نازح داخلياً على مستوى العالم في عام ٢٠٢٠، منهم ٢٠ مليون طفل. بحلول نهاية عام ٢٠٢٠، كان هناك ٤٠،٥ مليون حالة النزوح الداخلي جديدة في ١٤٩ دولة وإقليم. تبدي الإحصائيات أيضاً أنه عُزيت ٩،٨ مليون حالة إلى الصراع والعنف، بينما ٣٠،٧ مليون حالة نبعت من الكوارث. كان ٣٠٪ من كل الحالات النزوح الداخلي الجديدة في شرق اسيا والمحيط الهادئ. كانت مناطق الصراع الخاصة التي شهدت أعداداً كبيرة من حالة النزوح الداخلي هي سوريا وجمهورية الكونغو الديمقراطية وإثيوبيا، في حين أن الكوارث في مناطق الصراع الأخرى مثل الصومال واليمن أجبرت النازحين سابقاً على الفرار مرة أخرى

أما بالنسبة للوضع في سوريا، فقد كان أبرز دواعي النزوح الداخلي الصراع المسلح والكوارث والتراجع الاقتصادي. سجل مركز رصد النزوح ١،٨ مليون نازح داخلياً عام ٢٠٢٠، منهم ٩٦٠ ألف مشرد بسبب هجوم القوات الحكومية على إدلب. أكثر من ٥٠٪ من الذين فروا من إدلب قد كانوا مشردين سابقاً مرة واحدة على الأقل. مثلت الأسر التي يرأسها نساء أو مسن أكثر من ٧٥٪ من الأسر المشردة حديثاً في البلد. وعلاوة على ذلك كان أكثر من ٥٠٪ من النازحين داخلياً من أطفال، كثير منهم غير المصحوبين. بسبب هذا التشريد الهائل، انخفض عدد السكان بنسبة ١٠٠٪ تقريباً في بعض المناطق. وبعدما فروا، كان النازحون داخلياً يعيشون في حالة لا تطاق. نام ٨٠ ألف شخص بالخارج في درجات الحرارة المنخفضة وأسفر هذا الوضع عن وفيات الأطفال والرضع الكثير. تضررت المستشفيات ودُمرت وكان الوصول إلى الغذاء والصرف الصحي محدوداً بينما كان فيروس كورونا ينتشر بسرعة في المخيمات. في المجموع، كان ٩،٣ مليون سوري يعانون من انعدام الأمن الغذائي في عام ٢٠٢٠

نشر مجلس اللاجئين النرويجي بعض التوصيات للمساعدة في حل أزمة النزوح العالمية داخلياً، خصوصاً في بلدان غير مشمولة بوسائل الإعلام، في تقريره بعنوان “أزمات التشريد الأكثر إهمالاً في العالم في عام ٢٠٢٠ ويرمي التقرير اقتراحاته إلى مجموعات مختلفة. ويناشد السياسيين ومجلس الأمن الدولي أن يستخدما قوتهما للضغط من أجل حلول للنزاعات المهملة ولضمان احترام القانون الدولي. أما بالنسبة للجهات المانحة، فيوصي بنقطتين رئيستين. يحث أولاً عليهم توفير تمويل إنساني متزايد على وجه السرعة للأزمات المهملة، ودعم العمل لمنع المجاعة التي تهدد حياة ٣٤ مليون شخص، وثانياً تقديم المساعدات الإنسانية وفق احتياجات المتضررين من الأزمات، وليس بحسب المصالح الجيوسياسية أو مستويات الاهتمام الإعلامي. بناء على ذلك، يعترف التقرير بالدور المهم الذي لعبه الإعلام في مناطق الصراع، ولذلك يشجع الصحافيين على الانخراط في الجهود المبذولة لحماية حرية الصحافة، لضمان استمرار الصحفيين المحليين والدوليين العاملين في البلدان المتضررة من الأزمات في الإبلاغ. يعتبر التقرير أيضاً أنه ليست مسؤولية المساعدة على المؤسسات والحكومات فحسب، بل الجمهور أيضاً. وبالتالي ينصح الجمهور بقراءة عن الأزمات المهملة ودعم الصحافة الجيدة التي تغطي النزاعات المنسية، وتحدث عن الأزمات المهملة، على سبيل المثال من خلال النشاط على وسائل التواصل الاجتماعي، وفي المجتمع والشبكات لزيادة الوعي بالقضية

قضية النزوح داخلياً معقدة من جراء عدد من العوامل الكامنة. أولاً، من الصعب تحديد النازحين داخلياً لأن الغالبية لا تعيش في المخيمات، بل يتم تفرقهم في المجتمعات المحلية. ثانياً، التشريد مؤلم، لا سيما للأطفال، ويعرض الناس لخطر الإيذاء. ثالثاً، ينبغي أن تكون الحكومات على استعداد لتلقي المساعدة للنازحين داخلياً ويمكن للمجتمع الدولي أن يساعد فقط إلى حد معين، حيث لم يغادر النازحين بلدهم ولا يتمتع بوضع خاص في القانون الدولي. لحل الأزمة، يجب أن يكون هناك تغيير جذري في الاستجابة لها. يجب على العالم أن يبتعد عن المساعدة الإنسانية قصيرة الأجل إلى تنسيق الجهود بين الجهات الفاعلة في المجال الإنساني والإنمائي والسلام لدعم النازحين داخلياً في إيجاد حلول طويلة الأجل لتشريدهم. لا تعتبر هذه الاستراتيجية بالنازحين داخلياً ضحايا في حاجة إلى منقذ، بل هي قائمة على تعزيز الحفاظ على الكرامة، وتشجيع الاعتماد على الذات، ودعم سبل العيش، وتحسين الفرص للنازحين


صورة الغلاف: نزوح مدنيون من أجزاء من مقاطعتي كيلينوتشي ومولايتيفو نتيجة للهجوم العسكري للجيش السريلانكي

trokilinochchi, CC BY 2.0, via Wikimedia Commons