الهجرة والنزوح المناخي: أسبابها وحلولها

حين نفكر بالأسباب للهجرة وللنزوح، غالباً ما نأخذ بعين الاعتبار عواصم متعلقة بالاقتصاد والسياسة والعنف. ومع ذلك في سياق عالمنا الذي تُهدد من قبل تبعات التغير المناخي الشديدة يبدأ المحلّلون بالإقرار بالدور الذي يلعبه الاحتباس الحراري في نزعات الهجرة العالمية.  سيضع هذا المشروع قضية الهجرة بسبب المناخ تحت المجهر وسيلقي الضوء على هذه الظاهرة التي تصبح أكثر شيوعاً

وفقاً لمركز دراسات اللاجئين عند جامعة أكسفورد يعرف النازحين المناخيين بأنهم أشخاص مدفوعون إلى الهجرة لأن سبل عيشهم غير المستدامة مردها إلى كوارث طبيعية أو تدهور الموارد الطبيعية الذي لا رجعة فيه ناجم عن ارتفاع مستوى سطح البحر والتصحر. ومن المقدر أن عدد النازحين المناخيين قد يتراوح بين ٥٠ إلى ٢٠٠ مليون في حلول العام ٢٠٥٠. وعلاوة على ذلك قدر البنك الدولي أن ثلاث مناطق – أمريكا اللاتينية وأفريقيا جنوب الصحراء الكبرى وجنوب شرق اسيا – ستولّد ١٤٣ مليون نازح مناخي في حلول نفس السنة. وبالرغم من هذه الإحصائيات والتقديرات، إلا أنه لا يوجد إما استراتيجية متعددة الأطراف أو إطار قانوني لمراعاة التغير المناخي بمثابة باعث من بواعث الهجرة. وعلى غرار ذلك فلا يوجد اتفاقات ملزمة قانوناً تلزم الدول لمساعدة المهاجرين لأسباب بيئية. ولا یهدف ذلك إلى القول بأن التغير المناخي ليس عاملاً للنزوح والهجرة، بل أن المجتمع الدولي يقف مكتوف الأيدي في مواجهة هذه القضية

يتم تقسيم أسباب النزوح المناخي إلى فئتين: كوارث سريعة الظهور وبطيئة الظهور. يتضمن مفهوم كوارث سريعة الظهور الأعاصير والتيوفونات والفيضانات المفاجئة والزلازل والثورات البركانية وهناك قواسم مشتركة بين كوارث النوع هذا. أولاً تحدث فجأةً جداً دون سابق إنذار. علاوة على ذلك تستهل وتنتهي بسرعة هذه الكوارث وعادةً يمر ٤٨ ساعة بين تحديد الكارثة وضربها وانتقالها. وبالنسبة لتأثيرها على النزوح والهجرة فنلاحظ بعض النقاط المهمة. أولاً أنّ هؤلاء المتضررون ليس لديهم خيار سوى مغادرة منازلهم لضمان بقائهم الفوري. وبالإضافة إلى ذلك يتركون بيوتهم بسرعة ولا يأخذون الكثير من ممتلكاتهم معهم. غالباً ما يتم إجلاء المجتمعات بشكل جماعي. وبالنسبة لأين يذهبون فلا يذهب الناس بعيداً عن منازلهم ونادراً ما يعبرون الحدود الدولية ولديهم الرغبة في الرجوع بأسرع ما يمكن

منزل مدمر في ضواحي تاكلوبان في جزيرة ليتي. كانت هذه المنطقة هي الأكثر تضرراً من الإعصار، مما تسبب في أضرار واسعة النطاق وخسائر في الأرواح
Trocaire from Ireland, CC BY 2.0, via Wikimedia Commons

مثال على كارثة سريعة الظهور حدثت مؤخراً هي إعصار هايان الذي ضرب الفلبين في شهر نوفمبر عام ٢٠١٣. كانت واحدة من أقوى الأعاصير التي تم تسجيلها على الإطلاق حيث تجاوزت سرعة الرياح ٣١٣ كم / ساعة. وسجلت بعض المناطق ٢٨١.٩ ملم من الأمطار في أقل من ١٢ ساعة. بالإضافة إلى الآثار البيئية ليس من المبالغة القول إن العواقب الإنسانية كانت هائلة جداً. بعدما أذاعت (الهيئة الفلبينية للأرصاد الجوية) تحذيرات قبل يومين من الإعصار تم إجلاء ٧٥٠٠٠٠ شخص. وأودى الإعصار بحياة ٧٠٠٠ شخص فضلاً عن تشريد ١.٩ مليون شخص وينزّح ٦ مليون شخص. ومن جراء هذا التشرد رصدت المناطق الأقل تأثراً مضاعفة عدد سكانها. دراسة الحالة هذه نموذج جيد من الكارثة سريعة الظهور لأنها تظهر السمات الرئيسية لهذه الظاهرة: القليل من التحذير، ووسائل الوقاية (في هذه الحالة الإجلاء)، وبداية ونهاية سريعة، والنزوح الداخلي

وفي الطرف الآخر يصف مفهوم كارثة بطيئة الظهور ظواهر مثل ارتفاع مستوى سطح البحر والتصحر والجفاف. تتسم بظهور تدريجي مع مرور الوقت. على عكس كوارث سريعة الظهور، يوجد وقت أكثر بين تحديد الكارثة وضربها. هذا يسمح لمزيد من الاحتياطات والتخطيط مثل النقل المعتزم من مجتمعات بأكملها.  وبالإضافة إلى ذلك تأثيرات نوع الكارثة هذا تستمر على المدى الطويل وعادةً لا رجعة فيها. مثال نوع الكارثة هذا هو الجفاف في شرق أفريقيا. كان الجفاف نتيجة انعدام المطر وهذا منع الناس من إنتاج الأغذية.  وبالرغم من أنه ضرب المنطقة في سنة ٢٠١١، إلا أنه كان متنبأ به ١١ شهراً مسبقاً. أثّر على ١٤ مليون شخص وفرّ مليون شخص بحلول نهاية عام ٢٠١٢ الصومال إلى مخيمات في إثيوبيا وكينيا بسبب كل من الجفاف والصراع في المنطقة. ويبين هذا المثال كيف هناك عادةً عدة عوامل في مناطق تتأثر من كوارث بطيئة الظهور التي تدفع الهجرة ولا سيما الصراع والعنف وأنّ نوع الكوارث هذا يفاقم هذه العوامل وهذا يؤدي إلى مستويات الهجرة الأعلى

تشير الأدلة إلى أن الاحتباس الحراري سيزيد تواتر وشدة الكوارث مثل الأعاصير والجفاف. لذلك لا يمكن المجتمع الدولي تجاهل هذه القضية الملحة التي تهدد معيشة بلايين الشخص. بناء على ذلك لقد حدد )مركز رصد التشرد الداخلي( عشر فرص لمساعدة التغلب على تحديات شائعة لتعاطي مع النزوح الناتجة عن عوامل مناخية خلال السنوات العشر القادم وأوجزها فيما يلي:

١.     الاستثمار في تجميع البيانات والرصد: الاستثمار في هذا الحيّز ضروري لسد الفجوات المعرفية فيما يخص مكان نزوح الناس ومدة نزوحهم والأحداث التي تتسبب في النزوح

٢.     التعلم عن كيفية التعامل مع كوارث بطيئة الظهور مثل الجفاف وارتفاع مستوى سطح البحر على المدى الطويل

٣.     رصد الكوارث صغيرة النطاق: نسبة مهمة من النزوح بسبب الكوارث ناجمة عن الكوارث صغيرة النطاق الموضعية التي لا يتم ملاحظتها. يمكن مراقبة الكوارث أن تساعد على منع وتخفيف من الأحداث المستقبلية

٤.     استخدام نماذج التوقعات لمنع الكوارث المستقبلية: من المنتظر أن خطر النزوح من جراء الفيضانات سيتضاعف حتى سنة ٢٠٧٠ وستتأثر البلدان منخفضة الدخل بشكل غير متناسب. نستطيع الاستفادة من النماذج التوقعات في وضع السياسات للتخطيط لمواجهة الكوارث

٥.     مكافحة التضليل مع البيانات والأدلة: مرده إلى تغطية إعلامية مبالغ فيها يفكر الكثير من الأوروبيين أنّ اللاجئين بسبب التغير المناخي سيجتاحون القارة. لكن يبدو هذا كانّه التحامل أكثر مما هي الحقيقة، لأنه على أرض الواقع تظهر البيانات أن الأغلبية من حالات النزوح بسبب الكوارث حالات النزوح الداخلي. لذلك يجب علينا أن نعترض على التضليل لضمانة أنّ السياسة إزاء اللاجئين بسبب التغير المناخي عادلة ومتناسبة

٦.     التركيز على الحد من الأخطار: ليس من الصائب القول إن الكوارث لا مفر منها فيمكن أن نمنع ونخفّف من تأثيرها، مثلاً من خلال تنظيم استخدام الأراضي والحد من تدهور الموارد الطبيعية والحماية الاجتماعية من أجل الذين يعتمدون على هذه الموارد والنقل المعتزم

٧.     الاعتراف بالروابط بين الصراع والتغير المناخي: الصراع والتغير المناخي متداخلان ويعزّزان بعضهما البعض. إن ندرة الموارد بسبب كوارث بطيئة الظهور تفاقم الأعمال العدائية الموجودة بالفعل بين المجتمعات. سيساعد الاعتراف بهذه الروابط في خفض النزوح

٨.     وضع المجتمعات في صلب الإجراءات: كثيراً ما يستشير المستجيبون للكوارث إلى خبراء دوليين، لكن يجب علينا أن نأخذ بعين الاعتبار الخبرة المحلية على نفس مستوى الأهمية إن لم يكن أعلى. عندما تنخرط المجتمعات في الاستجابة للكوارث تعي أكثر على الأخطار الموجودة بالفعل وكيفية خفض تعرضهم لها

٩.     التكاتف من أجل حشد الإرادة السياسية: يستطيع المجتمع المدني والمجتمع الدولي والأكاديميون المساعدة في التعبير عن استعجال القضية وتشجّع الإرادة السياسية لاتّخاذ إجراءات

١٠.   تقبّل وتكيّف مع التحديات الجديدة: الأزمة المناخية مشكلة منهجية. لا يهدف هذا القول إننا بلا قوى لإيقافها، بل أننا يجب أن نبقى مرنين في التكيّف مع التغير المناخي والبيئة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المتغيرة

الأزمة المناخية هي التهديد الأكبر الذي تواجهه الإنسانية في الوقت الحالي وتأثيرها في نزعات الهجرة لا يمكن إنكاره وهذه القضية ستصبح ملحة أكثر مع ارتفاع درجات الحرارة في السنوات القادمة. لذلك ينبغي أن تصغي الحكومات إلى التحذيرات وتتصدّى لهذه المشكلة وحماية المجتمعات الضعيفة ومساعدة الذين ينزحون بسبب عوامل بيئية

المراجع

‘10 Ways to Tackle Climate Displacement in the Run Up to 2030’. IDMC, https://www.internal-displacement.org/expert-opinion/10-ways-to-tackle-climate-displacement-in-the-run-up-to-2030. Accessed 15 May 2022.

Environmentally Displaced People — Refugee Studies Centre. https://www.rsc.ox.ac.uk/policy/environmentally-displaced-people. Accessed 15 May 2022.

‘Getting Started’. Climate & Migration Coalition, 16 Feb. 2017, https://climatemigration.org.uk/getting-started-climate-migration/.

Podesta, John. ‘The Climate Crisis, Migration, and Refugees’. Brookings, 25 July 2019, https://www.brookings.edu/research/the-climate-crisis-migration-and-refugees/.

‘Tropical Cyclone Case Study – Typhoon Haiyan – Tropical Cyclones – Edexcel – GCSE Geography Revision – Edexcel’. BBC Bitesize, https://www.bbc.co.uk/bitesize/guides/z9whg82/revision/4. Accessed 22 May 2022.

Update on the 2011 East Africa Drought and Famine (Podcast/Q&A) – Somalia | ReliefWeb. https://reliefweb.int/report/somalia/update-2011-east-africa-drought-and-famine-podcastqa. Accessed 22 May 2022.