إسرائيل بعيدة عن ملجأ آمن للمثليين

تتفاخر إسرائيل بأنها “ملجأ آمن للمثليين” وليست الفكرة أنه من غير المألوف الرؤية أعلام بألوان قوس قزح في شوارع تل أبيب. لكن تحت سطح الحملات التسويقية المصقولة ومسيرات الفخر الملونة، يخبرون الفلسطينيون والإسرائيليون قصص القمع والعنف من جانب الحكومة إزاء المجتمع الميم-عين. من هنا، السؤال الأساسي الذي يجب أن نسأله هو: هل هذا الدعم لحقوق مجتمع الميم-عين حقيقي؟

جواب السؤال بسيط: لا. هناك حقيقة لا يمكن التغاضي عنها وهي أن كراهية المثلية مستوطنة في المجتمع الإسرائيلي، كما تشرح الكاتبة سارا شولمان. ويتضح ذلك في مسيرات الفخر في عامي ٢٠٠٥ و٢٠١٥ عندما طعن رجل أرثوذكسي متطرف العديد من الأشخاص. يظهر هذا الحدث أن العنف ضد مجتمع الميم-عين موجود في المجتمع الإسرائيلي. بالإضافة إلى ذلك، أظهر استطلاع أجراه مركز بيو للأبحاث أن ٤٧٪ فقط من الإسرائيليين يقولون إن المجتمع يجب أن يقبل المثلية الجنسية، ورئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بينيت قال إنه ليس لديه خطط لكي يحسن حياة مجتمع الميم-عين. خلاصة القول: تدحض كل هذه البراهين الفكرة أن “إسرائيل تهتم بحقوق الإنسان للجميع”، ناهيك عن كيف يتعاطى الاحتلال مع الفلسطينيين المثليين. يتم إخضاع أسرى فلسطينيون لكراهية المثلية وحتى بالابتزاز. إذا رفض فلسطيني مثلي أن يساعد قوى الاحتلال، فتهدده قوى الاحتلال بإخبار عائلته عن هويته المثلية. وبالتالي من الممكن الاستنتاج أن تضامن الحكومة الإسرائيلية مع مجتمع الميم-عين تضامناً بالاسم فقط

فلماذا الحكومة الإسرائيلية لديها مصلحة في الظهور لدعم حقوق مجتمع الميم-عين؟ يقول أيال غروس، أستاذ القانون في جامعة تل أبيب، إن حقوق المثليين “أصبحت أداة العلاقات العامة” لكي تصور إسرائيل كدولة “حديثة” ومتسامحة بالمقارنة مع الدول المحيطة بها في نظر الغرب. هذه الفكرة غربية واستشراقية ومرسخة في صور نمطية عن الدول العربية والإسلام تجاه الجنس. وفي هذا الصدد تستخدم إسرائيل فكرة حقوق مجتمع الميم-عين من أجل صرف الانتباه عن قمعها للفلسطينيين وجرائمها ضدهم. هذه السياسة اسمها الغسيل الوردي

المشكلة هي أن “الغسيل الوردي” شفاف ونستطيع أن نرى الحقيقة: لا تهتم إسرائيل بحقوق مجتمع الميم-عين. فلا تفرق البنادق والرصاص والغارات الجوية بين المثليين والمغايرين. ببساطة شديدة فإن إسرائيل بعدة عن ملجأ آمن للمثليين

الهجرة والنزوح المناخي: أسبابها وحلولها

حين نفكر بالأسباب للهجرة وللنزوح، غالباً ما نأخذ بعين الاعتبار عواصم متعلقة بالاقتصاد والسياسة والعنف. ومع ذلك في سياق عالمنا الذي تُهدد من قبل تبعات التغير المناخي الشديدة يبدأ المحلّلون بالإقرار بالدور الذي يلعبه الاحتباس الحراري في نزعات الهجرة العالمية.  سيضع هذا المشروع قضية الهجرة بسبب المناخ تحت المجهر وسيلقي الضوء على هذه الظاهرة التي تصبح أكثر شيوعاً

وفقاً لمركز دراسات اللاجئين عند جامعة أكسفورد يعرف النازحين المناخيين بأنهم أشخاص مدفوعون إلى الهجرة لأن سبل عيشهم غير المستدامة مردها إلى كوارث طبيعية أو تدهور الموارد الطبيعية الذي لا رجعة فيه ناجم عن ارتفاع مستوى سطح البحر والتصحر. ومن المقدر أن عدد النازحين المناخيين قد يتراوح بين ٥٠ إلى ٢٠٠ مليون في حلول العام ٢٠٥٠. وعلاوة على ذلك قدر البنك الدولي أن ثلاث مناطق – أمريكا اللاتينية وأفريقيا جنوب الصحراء الكبرى وجنوب شرق اسيا – ستولّد ١٤٣ مليون نازح مناخي في حلول نفس السنة. وبالرغم من هذه الإحصائيات والتقديرات، إلا أنه لا يوجد إما استراتيجية متعددة الأطراف أو إطار قانوني لمراعاة التغير المناخي بمثابة باعث من بواعث الهجرة. وعلى غرار ذلك فلا يوجد اتفاقات ملزمة قانوناً تلزم الدول لمساعدة المهاجرين لأسباب بيئية. ولا یهدف ذلك إلى القول بأن التغير المناخي ليس عاملاً للنزوح والهجرة، بل أن المجتمع الدولي يقف مكتوف الأيدي في مواجهة هذه القضية

يتم تقسيم أسباب النزوح المناخي إلى فئتين: كوارث سريعة الظهور وبطيئة الظهور. يتضمن مفهوم كوارث سريعة الظهور الأعاصير والتيوفونات والفيضانات المفاجئة والزلازل والثورات البركانية وهناك قواسم مشتركة بين كوارث النوع هذا. أولاً تحدث فجأةً جداً دون سابق إنذار. علاوة على ذلك تستهل وتنتهي بسرعة هذه الكوارث وعادةً يمر ٤٨ ساعة بين تحديد الكارثة وضربها وانتقالها. وبالنسبة لتأثيرها على النزوح والهجرة فنلاحظ بعض النقاط المهمة. أولاً أنّ هؤلاء المتضررون ليس لديهم خيار سوى مغادرة منازلهم لضمان بقائهم الفوري. وبالإضافة إلى ذلك يتركون بيوتهم بسرعة ولا يأخذون الكثير من ممتلكاتهم معهم. غالباً ما يتم إجلاء المجتمعات بشكل جماعي. وبالنسبة لأين يذهبون فلا يذهب الناس بعيداً عن منازلهم ونادراً ما يعبرون الحدود الدولية ولديهم الرغبة في الرجوع بأسرع ما يمكن

منزل مدمر في ضواحي تاكلوبان في جزيرة ليتي. كانت هذه المنطقة هي الأكثر تضرراً من الإعصار، مما تسبب في أضرار واسعة النطاق وخسائر في الأرواح
Trocaire from Ireland, CC BY 2.0, via Wikimedia Commons

مثال على كارثة سريعة الظهور حدثت مؤخراً هي إعصار هايان الذي ضرب الفلبين في شهر نوفمبر عام ٢٠١٣. كانت واحدة من أقوى الأعاصير التي تم تسجيلها على الإطلاق حيث تجاوزت سرعة الرياح ٣١٣ كم / ساعة. وسجلت بعض المناطق ٢٨١.٩ ملم من الأمطار في أقل من ١٢ ساعة. بالإضافة إلى الآثار البيئية ليس من المبالغة القول إن العواقب الإنسانية كانت هائلة جداً. بعدما أذاعت (الهيئة الفلبينية للأرصاد الجوية) تحذيرات قبل يومين من الإعصار تم إجلاء ٧٥٠٠٠٠ شخص. وأودى الإعصار بحياة ٧٠٠٠ شخص فضلاً عن تشريد ١.٩ مليون شخص وينزّح ٦ مليون شخص. ومن جراء هذا التشرد رصدت المناطق الأقل تأثراً مضاعفة عدد سكانها. دراسة الحالة هذه نموذج جيد من الكارثة سريعة الظهور لأنها تظهر السمات الرئيسية لهذه الظاهرة: القليل من التحذير، ووسائل الوقاية (في هذه الحالة الإجلاء)، وبداية ونهاية سريعة، والنزوح الداخلي

وفي الطرف الآخر يصف مفهوم كارثة بطيئة الظهور ظواهر مثل ارتفاع مستوى سطح البحر والتصحر والجفاف. تتسم بظهور تدريجي مع مرور الوقت. على عكس كوارث سريعة الظهور، يوجد وقت أكثر بين تحديد الكارثة وضربها. هذا يسمح لمزيد من الاحتياطات والتخطيط مثل النقل المعتزم من مجتمعات بأكملها.  وبالإضافة إلى ذلك تأثيرات نوع الكارثة هذا تستمر على المدى الطويل وعادةً لا رجعة فيها. مثال نوع الكارثة هذا هو الجفاف في شرق أفريقيا. كان الجفاف نتيجة انعدام المطر وهذا منع الناس من إنتاج الأغذية.  وبالرغم من أنه ضرب المنطقة في سنة ٢٠١١، إلا أنه كان متنبأ به ١١ شهراً مسبقاً. أثّر على ١٤ مليون شخص وفرّ مليون شخص بحلول نهاية عام ٢٠١٢ الصومال إلى مخيمات في إثيوبيا وكينيا بسبب كل من الجفاف والصراع في المنطقة. ويبين هذا المثال كيف هناك عادةً عدة عوامل في مناطق تتأثر من كوارث بطيئة الظهور التي تدفع الهجرة ولا سيما الصراع والعنف وأنّ نوع الكوارث هذا يفاقم هذه العوامل وهذا يؤدي إلى مستويات الهجرة الأعلى

تشير الأدلة إلى أن الاحتباس الحراري سيزيد تواتر وشدة الكوارث مثل الأعاصير والجفاف. لذلك لا يمكن المجتمع الدولي تجاهل هذه القضية الملحة التي تهدد معيشة بلايين الشخص. بناء على ذلك لقد حدد )مركز رصد التشرد الداخلي( عشر فرص لمساعدة التغلب على تحديات شائعة لتعاطي مع النزوح الناتجة عن عوامل مناخية خلال السنوات العشر القادم وأوجزها فيما يلي:

١.     الاستثمار في تجميع البيانات والرصد: الاستثمار في هذا الحيّز ضروري لسد الفجوات المعرفية فيما يخص مكان نزوح الناس ومدة نزوحهم والأحداث التي تتسبب في النزوح

٢.     التعلم عن كيفية التعامل مع كوارث بطيئة الظهور مثل الجفاف وارتفاع مستوى سطح البحر على المدى الطويل

٣.     رصد الكوارث صغيرة النطاق: نسبة مهمة من النزوح بسبب الكوارث ناجمة عن الكوارث صغيرة النطاق الموضعية التي لا يتم ملاحظتها. يمكن مراقبة الكوارث أن تساعد على منع وتخفيف من الأحداث المستقبلية

٤.     استخدام نماذج التوقعات لمنع الكوارث المستقبلية: من المنتظر أن خطر النزوح من جراء الفيضانات سيتضاعف حتى سنة ٢٠٧٠ وستتأثر البلدان منخفضة الدخل بشكل غير متناسب. نستطيع الاستفادة من النماذج التوقعات في وضع السياسات للتخطيط لمواجهة الكوارث

٥.     مكافحة التضليل مع البيانات والأدلة: مرده إلى تغطية إعلامية مبالغ فيها يفكر الكثير من الأوروبيين أنّ اللاجئين بسبب التغير المناخي سيجتاحون القارة. لكن يبدو هذا كانّه التحامل أكثر مما هي الحقيقة، لأنه على أرض الواقع تظهر البيانات أن الأغلبية من حالات النزوح بسبب الكوارث حالات النزوح الداخلي. لذلك يجب علينا أن نعترض على التضليل لضمانة أنّ السياسة إزاء اللاجئين بسبب التغير المناخي عادلة ومتناسبة

٦.     التركيز على الحد من الأخطار: ليس من الصائب القول إن الكوارث لا مفر منها فيمكن أن نمنع ونخفّف من تأثيرها، مثلاً من خلال تنظيم استخدام الأراضي والحد من تدهور الموارد الطبيعية والحماية الاجتماعية من أجل الذين يعتمدون على هذه الموارد والنقل المعتزم

٧.     الاعتراف بالروابط بين الصراع والتغير المناخي: الصراع والتغير المناخي متداخلان ويعزّزان بعضهما البعض. إن ندرة الموارد بسبب كوارث بطيئة الظهور تفاقم الأعمال العدائية الموجودة بالفعل بين المجتمعات. سيساعد الاعتراف بهذه الروابط في خفض النزوح

٨.     وضع المجتمعات في صلب الإجراءات: كثيراً ما يستشير المستجيبون للكوارث إلى خبراء دوليين، لكن يجب علينا أن نأخذ بعين الاعتبار الخبرة المحلية على نفس مستوى الأهمية إن لم يكن أعلى. عندما تنخرط المجتمعات في الاستجابة للكوارث تعي أكثر على الأخطار الموجودة بالفعل وكيفية خفض تعرضهم لها

٩.     التكاتف من أجل حشد الإرادة السياسية: يستطيع المجتمع المدني والمجتمع الدولي والأكاديميون المساعدة في التعبير عن استعجال القضية وتشجّع الإرادة السياسية لاتّخاذ إجراءات

١٠.   تقبّل وتكيّف مع التحديات الجديدة: الأزمة المناخية مشكلة منهجية. لا يهدف هذا القول إننا بلا قوى لإيقافها، بل أننا يجب أن نبقى مرنين في التكيّف مع التغير المناخي والبيئة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المتغيرة

الأزمة المناخية هي التهديد الأكبر الذي تواجهه الإنسانية في الوقت الحالي وتأثيرها في نزعات الهجرة لا يمكن إنكاره وهذه القضية ستصبح ملحة أكثر مع ارتفاع درجات الحرارة في السنوات القادمة. لذلك ينبغي أن تصغي الحكومات إلى التحذيرات وتتصدّى لهذه المشكلة وحماية المجتمعات الضعيفة ومساعدة الذين ينزحون بسبب عوامل بيئية

المراجع

‘10 Ways to Tackle Climate Displacement in the Run Up to 2030’. IDMC, https://www.internal-displacement.org/expert-opinion/10-ways-to-tackle-climate-displacement-in-the-run-up-to-2030. Accessed 15 May 2022.

Environmentally Displaced People — Refugee Studies Centre. https://www.rsc.ox.ac.uk/policy/environmentally-displaced-people. Accessed 15 May 2022.

‘Getting Started’. Climate & Migration Coalition, 16 Feb. 2017, https://climatemigration.org.uk/getting-started-climate-migration/.

Podesta, John. ‘The Climate Crisis, Migration, and Refugees’. Brookings, 25 July 2019, https://www.brookings.edu/research/the-climate-crisis-migration-and-refugees/.

‘Tropical Cyclone Case Study – Typhoon Haiyan – Tropical Cyclones – Edexcel – GCSE Geography Revision – Edexcel’. BBC Bitesize, https://www.bbc.co.uk/bitesize/guides/z9whg82/revision/4. Accessed 22 May 2022.

Update on the 2011 East Africa Drought and Famine (Podcast/Q&A) – Somalia | ReliefWeb. https://reliefweb.int/report/somalia/update-2011-east-africa-drought-and-famine-podcastqa. Accessed 22 May 2022.

حقوق المجتمع الميم-العين بمثابة حقوق الإنسان

من أول وهلة قد يبدو أن حقوق الإنسان تكفل الحماية من عدم التعريض للتمييز والإجحاف على الإطلاق وبغض النظر عن أي وضع شخصي.  ومع ذلك رغم نشاط العديد من حركات تحرير مجتمع الميم-العين وفهم أعمق وأدق لعلم التوجه الجنسي الذي انبثق خلال القرنين العشرين والحادي والعشرين، لا يمكن التغاضي عن الحقيقة أن مجتمع الميم-العين يتعرض للقمع انتهاكاً لهذه الحقوق الأساسية في كل أنحاء العالم. وتحدث المناقشة حول انطباق حقوق الإنسان على قضايا التوجه الجنسي وهوية النوع مع قضايا الدين والتقاليد والفلسفة والحرية. فما هي العلاقة بين حقوق الإنسان والتوجه الجنسي، وهل يجوز الذهاب إلى القول بأن حقوق مجتمع الميم-العين بمثابة حقوق الإنسان؟

إن وضع التوجه الجنسي وهوية النوع من ناحية حقوق الإنسان مبهم. على الرغم من أن الحقين في التوجه الجنسي وهوية النوع لم يذكرا بشكل صريح في القانون الدولي لحقوق الإنسان، إلا أنهما موجودان في صكوك حقوق الإنسان وبينها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.  وفقاً للأمم المتحدة إن الالتزامات القانونية الأساسية الواجبة على الدول لحماية مجتمع الميم-العين تشمل حماية الأفراد من العنف القائم على الكره، ومنع التعذيب والمعاملة القاسية واللاإنسانية والمهينة، وإبطال القوانين التي تجرم العلاقات الجنسية المثلية ومغايري الهوية الجنسانية، وحظر التمييز على أساس التوجه الجنسي والهوية الجنسانية، وحماية حرية التعبير وتكوين الجمعيات والتجمع السلمي للمجتمع الميم-العين

لكن في مواجهة العنف والقمع المستمر، لا تبدو هذه الالتزامات سوى حبر على ورق.  فلا تزال القوانين تجرّم التمييزية في ٧٠ بلداً العلاقات الجنسية الخاصة بالتراضي بين بالغين من نفس الجنس، في حين أنّ سبع دول تفرض عقوبة الإعدام على المثليين. أما مغايري الهوية الجنسانية فيتم تحديد حريتهم في التعبير مرده إلى قوانين مكافحة ارتداء ملابس الجنس الآخر، ناهيك عن العنف المؤسسي التي يواجهونه في أنظمة الرعاية الصحية. وباختصار يتعرض المجتمع الميم-العين لخطر التوقيف والفضيحة والابتزاز والوصم والتمييز والعنف حول العالم وبالتالي لا يجوز والحالة هذه القول إن حقوق الإنسان الحالية تصون حرية أعضاء مجتمع الميم-العين

حين يتم تحليل تجارب أعضاء مجتمع الميم-العين يتضح لبعض النشطاء فوراً أنه ينبغي أن يكون هناك الحق الملزم قانوناً في التوجه الجنسي وهوية النوع، ويشمل هذا الحق في تعبير التوجه الجنسي وهوية النوع وعدم التعريض للتمييز والإجحاف على أسسهما. لتبرير هذا الحق، يجادلون في المقام الأول بأن التوجه الجنسي وهوية النوع فطريان وليستا مختارين. بالإضافة إلى ذلك، يقول الإجماع العلمي إن المثليين ومغايري الهوية الجنسانية ليسوا مرضى عقلياً وإنه لا توجد أبحاث علمياً لإثبات أن العلاج الذي يهدف إلى تغيير التوجه الجنسي أو الهوية الجنسية آمن أو فعال، بل هو نوع من التعذيب. واستجابة للذين يقولون إن المثلية الجنسية وأمر مغايري الهوية الجنسانية هي أفكار غربية فيشير العلماء الأنثروبولوجيا أن المثلية الجنسية وهويات النوع المختلفة موجودان في العديد من الثقافات والعصور التاريخية المختلفة ومع إبراز أن الفكرة الغربية الفعلية هي رهاب المثلية الذي انتشر من خلال الاستعمار. بالموازنة بين الأسباب العلمي والثقافية ندرك أن الحاجة إلى حق مقنن في التوجه الجنسي وهوية النوع ملحة وضرورية

إن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان واضح أن “لكل إنسان حق التمتع بجميع الحقوق والحرِّيات المذكورة في هذا الإعلان، دونما تمييز من أي نوع.” لكن بينما بعض الخصائص الفطرية مثل العرق والجنس محمية على وجه التحديد، تخلو القوانين الدولية من حماية معينة لمجتمع الميم-العين. ومهما كانت شعور المعارضين لمجتمع الميم-العين لا يكون لديهم الحق في انتهاك حقوق الآخرين. ونشاهد هذه الانتهاكات يوماً فيوماً، ومراراً وتكراراً. ففي نهاية المطاف، لا يمكن الإنكار أننا نحتاج إلى حق مشرع في التوجه الجنسي وهوية النوع لكي نستطيع القول إن حقوق الإنسان فعلاً شمولية وكونية

ما المقصود بالنزوح الداخلي؟

حين نفكر في أولئك الذين يهربون من الحرب أو الصراع أو الكارثة ينصرف الذهن إلى أفكار من أولئك الذين يعبرون الحدود إلى دول أخرى – وفي كلمات أخرى نفكر في اللاجئين. لكن ليس من الصائب القول إن اللاجئين يمثلون أكثرية أولئك الذين يعانون من التشريد القسري، حيث أكثر من نصف هؤلاء الأشخاص لا يعبرون حد دولي. نسمي ‌‌‌‌‌هؤلاء الأشخاص النازحون داخلياً

بادئ ذي بدء من الجدير تعيين المعنى مما يقصد المصطلح “النزوح الداخلي”. طبقاً لمبادئ توجيهية بشأن التشريد الداخلي نُشرت من قبل الأمم المتحدة عام ١٩٩٧

يُقصد بالمشردين داخلياً الأشخاص أو جماعات الأشخاص الذين أُكرهوا على الهرب أو على ترك منازلهم أو أماكن إقامتهم المعتادة أو اضطروا إلى ذلك، ولا سيما نتيجة أو سعياً لتفادي آثار نزاع مسلح أو حالات عنف عام الأثر، أو انتهاكات حقوق الإنسان، أو كوارث طبيعية، أو كوارث من فعل البشر ولم يعبروا الحدود الدولية المعترف بها للدولة

ويتعرض الأشخاص الذين يُجبرون على الفرار من منازلهم إلى ضعف شديد في عدد من المناطق. على سبيل المثال يعاني النازحون داخلياً من معدلات وفيات أعلى بكثير من عامة السكان. كما أنهم ما زالوا عرضة لخطر الاعتداء الجسدي والاعتداء الجنسي والاختطاف، وكثيراً ما يُحرمون من المأوى المناسب والغذاء والخدمات الصحية. ومن الجدير بالملاحظة أن الأغلبية الساحقة من النازحين داخلياً هم من النساء والأطفال المعرضين بشكل خاص لخطر انتهاك حقوقهم الأساسية. وفي سياق حديثه عن الحقوق الأساسية للنازحين داخلياً، فلا يتمتع بوضع خاص في القانون الدولي مع حقوق خاصة بوضعهم وهذا على عكس اللاجئين

سفير الولايات المتحدة لدى اليابان يتحدث مع السكان المحليين اليابانيين في 23 مارس 2011 في مخيم للنازحين الداخليين.
(U.S. Marine Corps photo by Lance Cpl. Steve Acuff/Released)

وفقاً للمعطيات التي جمعها مركز رصد التشرد الداخلي، كان هناك ٥٥ مليون نازح داخلياً على مستوى العالم في عام ٢٠٢٠، منهم ٢٠ مليون طفل. بحلول نهاية عام ٢٠٢٠، كان هناك ٤٠،٥ مليون حالة النزوح الداخلي جديدة في ١٤٩ دولة وإقليم. تبدي الإحصائيات أيضاً أنه عُزيت ٩،٨ مليون حالة إلى الصراع والعنف، بينما ٣٠،٧ مليون حالة نبعت من الكوارث. كان ٣٠٪ من كل الحالات النزوح الداخلي الجديدة في شرق اسيا والمحيط الهادئ. كانت مناطق الصراع الخاصة التي شهدت أعداداً كبيرة من حالة النزوح الداخلي هي سوريا وجمهورية الكونغو الديمقراطية وإثيوبيا، في حين أن الكوارث في مناطق الصراع الأخرى مثل الصومال واليمن أجبرت النازحين سابقاً على الفرار مرة أخرى

أما بالنسبة للوضع في سوريا، فقد كان أبرز دواعي النزوح الداخلي الصراع المسلح والكوارث والتراجع الاقتصادي. سجل مركز رصد النزوح ١،٨ مليون نازح داخلياً عام ٢٠٢٠، منهم ٩٦٠ ألف مشرد بسبب هجوم القوات الحكومية على إدلب. أكثر من ٥٠٪ من الذين فروا من إدلب قد كانوا مشردين سابقاً مرة واحدة على الأقل. مثلت الأسر التي يرأسها نساء أو مسن أكثر من ٧٥٪ من الأسر المشردة حديثاً في البلد. وعلاوة على ذلك كان أكثر من ٥٠٪ من النازحين داخلياً من أطفال، كثير منهم غير المصحوبين. بسبب هذا التشريد الهائل، انخفض عدد السكان بنسبة ١٠٠٪ تقريباً في بعض المناطق. وبعدما فروا، كان النازحون داخلياً يعيشون في حالة لا تطاق. نام ٨٠ ألف شخص بالخارج في درجات الحرارة المنخفضة وأسفر هذا الوضع عن وفيات الأطفال والرضع الكثير. تضررت المستشفيات ودُمرت وكان الوصول إلى الغذاء والصرف الصحي محدوداً بينما كان فيروس كورونا ينتشر بسرعة في المخيمات. في المجموع، كان ٩،٣ مليون سوري يعانون من انعدام الأمن الغذائي في عام ٢٠٢٠

نشر مجلس اللاجئين النرويجي بعض التوصيات للمساعدة في حل أزمة النزوح العالمية داخلياً، خصوصاً في بلدان غير مشمولة بوسائل الإعلام، في تقريره بعنوان “أزمات التشريد الأكثر إهمالاً في العالم في عام ٢٠٢٠ ويرمي التقرير اقتراحاته إلى مجموعات مختلفة. ويناشد السياسيين ومجلس الأمن الدولي أن يستخدما قوتهما للضغط من أجل حلول للنزاعات المهملة ولضمان احترام القانون الدولي. أما بالنسبة للجهات المانحة، فيوصي بنقطتين رئيستين. يحث أولاً عليهم توفير تمويل إنساني متزايد على وجه السرعة للأزمات المهملة، ودعم العمل لمنع المجاعة التي تهدد حياة ٣٤ مليون شخص، وثانياً تقديم المساعدات الإنسانية وفق احتياجات المتضررين من الأزمات، وليس بحسب المصالح الجيوسياسية أو مستويات الاهتمام الإعلامي. بناء على ذلك، يعترف التقرير بالدور المهم الذي لعبه الإعلام في مناطق الصراع، ولذلك يشجع الصحافيين على الانخراط في الجهود المبذولة لحماية حرية الصحافة، لضمان استمرار الصحفيين المحليين والدوليين العاملين في البلدان المتضررة من الأزمات في الإبلاغ. يعتبر التقرير أيضاً أنه ليست مسؤولية المساعدة على المؤسسات والحكومات فحسب، بل الجمهور أيضاً. وبالتالي ينصح الجمهور بقراءة عن الأزمات المهملة ودعم الصحافة الجيدة التي تغطي النزاعات المنسية، وتحدث عن الأزمات المهملة، على سبيل المثال من خلال النشاط على وسائل التواصل الاجتماعي، وفي المجتمع والشبكات لزيادة الوعي بالقضية

قضية النزوح داخلياً معقدة من جراء عدد من العوامل الكامنة. أولاً، من الصعب تحديد النازحين داخلياً لأن الغالبية لا تعيش في المخيمات، بل يتم تفرقهم في المجتمعات المحلية. ثانياً، التشريد مؤلم، لا سيما للأطفال، ويعرض الناس لخطر الإيذاء. ثالثاً، ينبغي أن تكون الحكومات على استعداد لتلقي المساعدة للنازحين داخلياً ويمكن للمجتمع الدولي أن يساعد فقط إلى حد معين، حيث لم يغادر النازحين بلدهم ولا يتمتع بوضع خاص في القانون الدولي. لحل الأزمة، يجب أن يكون هناك تغيير جذري في الاستجابة لها. يجب على العالم أن يبتعد عن المساعدة الإنسانية قصيرة الأجل إلى تنسيق الجهود بين الجهات الفاعلة في المجال الإنساني والإنمائي والسلام لدعم النازحين داخلياً في إيجاد حلول طويلة الأجل لتشريدهم. لا تعتبر هذه الاستراتيجية بالنازحين داخلياً ضحايا في حاجة إلى منقذ، بل هي قائمة على تعزيز الحفاظ على الكرامة، وتشجيع الاعتماد على الذات، ودعم سبل العيش، وتحسين الفرص للنازحين


صورة الغلاف: نزوح مدنيون من أجزاء من مقاطعتي كيلينوتشي ومولايتيفو نتيجة للهجوم العسكري للجيش السريلانكي

trokilinochchi, CC BY 2.0, via Wikimedia Commons

المعايير المزدوجة الأوروبية تجاه اللاجئين

أوروبا لها تأريخ طويل في مساعدة اللاجئين الفارين من النزاعات والكوارث، ويفخر كثير من الناس بحق بهذه السمعة. لكن عندما نبدأ بالتطرق إلى هذا التأريخ، وسرعان ما يتضح أنه لم يتم التعاطي مع جميع أزمات اللاجئين في القارة بنفس الطريقة

وصول الأطفال اللاجئين الهولنديين إلى بريطانيا في تلبوري، إسيكس، ١٩٤٥

بادئ ذي بدء من الجدير بالتلخيص الوضع العالمي بالنسبة للاجئين. تعرف اتفاقية عام ١٩٥١ الخاصة بوضع اللاجئين اللاجئ بأنه شخص وجد نفسه خارج البلد التي يحمل جنسيتها أو بلد إقامته السابقة بسبب الخوف من التعرض للاضطهاد ولا يستطيع أو لا يرغب في العودة إلى ذلك البلد بسبب ذلك الخوف. وفي الوقت الحالي هناك ٢٦،٦ مليون لاجئ حول العالم. وينحدر ٦٨٪ من جميع اللاجئين من خمسة بلدان فقط و٣٩٪ منهم يقيمون في خمسة بلدان. تستضيف تركيا أكبر عدد من اللاجئين، حيث يبلغ عددهم ٣،٧ مليون شخص. متوسط الفترة الزمنية التي يظل فيها شخص ما لاجئاً هو ١٧ عاماً، وأقل من ١٪ من اللاجئين الرسميين يتم إعادة توطينهم بشكل دائم في بلد جديد

هرب أكثر من ١،٥ مليون لاجئ أوكراني منذ ٢٤ شباط من جراء الغزو الروسي لأوكرانيا الذي تسبب في الضحايا المدنيين وتدمير البنية التحتية المدنية ونقص الضروريات اليومية. نزحت الأغلبية الساحقة إلى بولندا، حيث يبلغ عددهم حوالي ٩٠٠ ألف تقريباً أو ٥٧،٧٪ من الإجمالي. يقدر أن ٤ مليون أوكراني في مجموع قد يغادرون بلدهم في الأسابيع القادمة

ينحدر ٦٨٪ من جميع اللاجئين من خمسة بلدان فقط
محطة وارسو المركزية خلال أزمة اللاجئين الأوكرانية ٢٠٢٢
Kamil Czaiński, CC BY-SA 4.0, via Wikimedia Commons

حين نوازن بين تمثيل اللاجئين الأوكرانيين وتمثيل اللاجئين العرب في وسائط الإعلام، يتضح لنا فوراً أن هناك فرق هائل بين التمثيلين وليس من المبالغة القول أنّ المجتمع الغربي لا يعتبر المجموعتين ذات قيمة متساوية. صرح تشارلي داجاتا، كبير المراسلين الأجانب لشبكة سي بي إس نيوز، أن أوكرانيا “ليست مكاناً … مثل العراق أو أفغانستان، الذي شهد صراعاً مستعراً لعقود. هذه … مدينة متمدنة، … أوروبية …، مدينة لا تتوقع فيها ذلك، أو تأمل أن يحدث ذلك”. في وجهة نظره يستحق اللاجئين الأوكرانيين تعاطفنا أكثر من الذين يهربوا من العراق من عراق أو أفغانستان، لأنهم “متمدنون” بينما الأشخاص من خارج أوروبا يعيشون في أماكن حيث نتوقع هذه الحروب والكوارث. قال نائب المدعي العام الأوكراني السابق إن الوضع “عاطفي” لأنه يرى “الأوروبيين ذوي العيون الزرقاء والشعر الأشقر … يُقتلون كل يوم”، مما يشير إلى أنه لا يمكننا التعاطف إلا مع أولئك الذين يشبهوننا. وقالت صحفية أخرى “هذه ليست دولة نامية من العالم الثالث” عندما أعربت عن صدمتها من الوضع في أوكرانيا، وهي تنطوي إلى أن الحرب عادية ومقتصرة على الدول النامية. كل هذه التعليقات تظهر أن المجتمع الغربي لا يتعاطف مع جميع اللاجئين بنفس الطريقة

وليس الفكرة أننا نرى الاختلاف في نظرة الأوروبيين إلى اللاجئين من أوكرانيا واللاجئين غير الأوروبيين في الإعلام فحسب، بل في الاستجابة لهم من قبل الحكومات أيضاً وتبدو الحكومات الأوروبية كأنها مرحبة أكثر باللاجئين الأوروبيين أكثر مما هي ازاء اللاجئين غير الأوروبيين. فمن جهة، عقب الغزو الروسي لأوكرانيا، استبقت الحكومات تدفق اللاجئين وبعثت فرق المتطوعين لتوزيع الزاد مثل الغذاء، والماء، والأدوية، والملابس. يتم توفير النقل العام والاتصالات الهاتفية المجانية في جميع أنحاء أوروبا للاجئين الأوكرانيين أيضاً. قالت الحكومة البولندية إنه سيتم السماح للاجئين الفارين من الحرب في أوكرانيا بدخول البلد حتى بدون جوازات سفر أو غيرها من وثائق السفر الصالحة. أما من جهة أخرى، ففي الشتاء عام ٢٠٢١، تعامل حرس الحدود البولنديون مع لاجئين من العراق بشكل وحشي تسبب في جروح خطيرة. كان الآلاف من الناس عالقين بين حدود بيلاروسيا وبولندا بدون أي مأوى أو بطانيات أو ضروريات أساسية وهذا أسفر عن وفاة ما لا يقل عن ١٩ مهاجراً. أقامت بولندا سياجاً من الأسلاك الشائكة، وبدأت في بناء جدار بطول ١٨٦ كيلومتراً لصد طالبي اللجوء عن الدخول من بيلاروسيا. لما نقارن الحادثتين بهاتين الاستجابتين، ألسنا أمام حقيقة لا يمكن التغاضي عنها وهي أنّ الغرب يعامل اللاجئين بشكل مختلف حسب عرقهم؟

قوارب تحمل لاجئين تصل إلى شواطئ سكالا سيكاميا، ليسفوس، اليونان
Ggia, CC BY-SA 4.0, via Wikimedia Commons

تكمن الأسباب وراء هذه المعاملة غير المتساوية في معتقد سيادة البيض الذي يسود في أوروبا ويتجلى في التمييز العنصري. ربما العنصرية الدافع الرئيسي في صلب هذه المعايير المزدوجة – ورصدنا هذا في الأيام الأخيرة حيث واجه اللاجئون غير البيض العنف والانتهاكات العنصرية أثناء محاولتهم دخول بولندا من أوكرانيا – ومع ذلك لا يخلو الأمر من الإسلاموفوبيا أيضاً. فحين يفكر الكثير من الأوروبيين في اللاجئين من الشرق الأوسط، ينصرف الذهن إلى صور نمطية إسلامية من العنف والإرهاب واضطهاد المرأة. لكن ليس كل اللاجئين من الشرق الأوسط مسلمين وينتمي الكثيرون إلى أقليات عرقية، مثل اليزيدية، عانت من الاضطهاد في ظل الجماعات المتطرفة. لذا ليس من الصائب القول إن كل اللاجئين غير الأوروبيين يشكلوا مجموعة واحدة متجانسة. أما اللاجئون المسلمون، فالصور النمطية السلبية المرتبطة بهم مغلوطة ويسيسها الزعماء اليمينيين الشعبويين لتحريض الكراهية على اللاجئين والمسلمين الذين يبحثون عن الأمن. وبالتالي لا يجوز والحالة هذه أن نبرر الإسلاموفوبيا ضد اللاجئين المسلمين

منح اللجوء للاجئين يجب ألا يستند إلى أي شيء سوى مساعدة الأبرياء الذين يحتاجون إلى الحماية. في أوروبا، يجب أن نتغلب على العنصرية والإسلاموفوبيا لدينا وأن نظهر بدلاً من ذلك كرمنا غير المشروط وقيمنا الإنسانية والتزامنا بتوفير الحماية لكل من يحتاجها

لاجئون على الطريق السريع المجري M1 في مسيرتهم نحو الحدود النمساوية
Joachim Seidler, photog_at from Austria, CC BY 2.0, via Wikimedia Commons

تبني المثليين للأطفال.. لا تملوا منطلقاتكم على الآخرين

ليس من المبالغة القول إن قضية تبني المثليين للأطفال مثيرة للجدل ويصبح هذا النقاش مراراً وتكراراً محتدم. لكن من المهم أن يتطرق المجتمع إلى هذا الموضوع

من الجدير بالاعتبار السياق العالمي والقانوني بالنسبة لتبني المثليين للأطفال بادئ ذي بدء. هو أمر قانوني في ٢٧ دولة وكانت هولندا الدولة الأولى التي سمحت به عام ٢٠٠١. وستصبح سويسرا الدولة التالية التي تسمح بتبني المثليين للأطفال عقب استفتاء صوت فيه ٦٤٪ من المواطنين لصالح الاقتراح. في البلدان التي أجرت استطلاعات الرأي حول هذه المسألة، يتراوح التأييد الشعبوي بين ٧٪ في أوكرانيا إلى ٨٣٪ في هولندا

حين نوازن بين الحجج المؤيدة والحجج المعارضة يتضح لنا فوراً أن الأسباب المؤيدة أقوى بكثير. قضية تبني المثليين للأطفال ليست قضية المساواة فحسب، بل قضية حقوقهم الإنسان. إذا منع المجتمع الأزواج من نفس الجنس من التبني فإنه ينتهك حقوقهم الإنسان. لن يكون من الصائب منع مجموعات أخرى من تبني الأطفال، فلماذا هذا المنع عادل بالنسبة للمثليين؟

بناءً على فكرة حقوق الإنسان، يوجد لكل طفل حق في أسرة وأوصياء يحمونه ويعيلونه وليس من الممكن الإنكار أن التبني أفضل من دار للأيتام. كان هناك ١٧٠٠٠٠ طفل عام ٢٠١٧ بحاجة إلى التبني في الولايات المتحدة فقط، وأكثر من هذا في جميع أنحاء العالم. ويبلغ متوسط عمر هؤلاء الأطفال سبع سنوات وتريد الأغلبية الساحقة من الأزواج الراغبة في التبني أن تتبنى رضيع. من هنا يمكننا أن نستنتج أن تبني المثليين للأطفال أمر إيجابي لأنه لا يوجد عدد كافٍ من الأزواج بين الجنسين لتبني كل الأطفال المحتاجين

يوجد الكثير من المفاهيم الخاطئة التي تصم المثليين وهي مفاهيم ينعدم فيها الدليل الدامغ عليها ومن المفيد تفكيك بعضها

١. يحتاج الأطفال إلى أم وأب

لا يوجد أي دليل علمي يساند هذه الفكرة. ما يحتاج الأطفال إليه هو الحب ولا يوجد سبب يمنع الآباء من نفس الجنس من إعطاء هذا الحب

٢. من المرجح أن يكبر أطفال الأزواج من نفس الجنس ليصبحوا مثليين أو يعانون من مشاكل نفسية أو تنموي

لا يوجد دليل يشير إلى أن الآباء من نفس الجنس يؤثروا على الميل الجنسي لأطفالهم، ولا بشكل سلبي على نموهم النفسي. على العكس من ذلك، تشير الدراسات إلى أن أطفال الأزواج من نفس الجنس يعانون من مشاكل اجتماعية أقل، وسلوكهم أقل خرقاً للقواعد، وسلوكهم الخارجي أقل عدوانية مقارنة بأطفال الأزواج من الجنس الآخر. لذلك فمن الخطأ من الناحية الواقعية القول إن الآباء من نفس الجنس يؤثرون سلبياً على أطفالهم بسبب ميولهم الجنسية.

٣. لا يمكن للمثليين توفير منازل مستقرة
حين نتخيل الوالدين المفضلين ينصرف الذهن إلى صور من أشخاص مع وظائف جيدة، ومنازل مناسبة، وعلاقات شخصية قوية. ويوجد الكثير من الصور النمطية التي تصور المثليين كأشخاص غير أخلاقيين وخائنين وغير جديرين بالثقة. ويفكر الكثير من الناس بسبب هذه الصور أن المثليين ليسوا آباء مناسبين. لكن هذه الصور تعميمات ويوجد الكثير من المثليين جديرين بالثقة ومحبوبين ومسؤولين. من هنا ليس من الصائب القول إن هذه الصور صحيحة أو دقيقة. وبالتتالي، لأن هذه الصور لا تصور المثليين بشكل حقيقي، لا يجوز والحالة هذه أن المثليين لا يمكنهم توفير منازل مستقرة للأطفال

ربما كان يوجد حالات لأشخاص مثليين غير مناسبين لتبني للأطفال ومع ذلك لا يخلو الأمر من أمثلة الأزواج من الجنس الآخر لا يستطيعوا رعاية أطفالهم أيضاً، السبب الآخر هو لماذا يوجد عدد هائل من أطفال بحاجة إلى التبني. خلاصة القول إنه لا يوجد أي سبب علمي أو نفسي الذي يبرر منع تبني المثليين للأطفال. الاعتراضات الوحيدة المقبولة هي اعتراضات دينية أو أخلاقية، والحل لها سهل جداً: إذا فكرتم أن تبني المثليين للأطفال خاطئ، فلا تدخلوا بأي علاقة مثل جنسية ولا تتبنوا أطفال. مع ذلك، ليس لديكم الحق في أن تملوا منطلقاتكم على الآخرين وتمنعوهم من تبني للأطفال

المستقبل هو الآن.. طفرة الذكاء الاصطناعي

لو قلت لشخص ما قبل خمسين سنة إن الحواسيب ستدير جميع جوانب المجتمع في المستقبل، لقال إن هذه الفكرة وهمية ومغالية وحتى إنها سخيفة. لكن الفكرة ليست احتمالية وجود هذا المستقبل باستمرار وتزايد فحسب، بل نرى بالفعل استخدام الذكاء الاصطناعي في الأجهزة الذكية والسيارات ونظام الرعاية الصحية والتطبيقات، وستظل رؤية تغلغل آثاره بشكل حثيث في مجتمعنا

يصبح الذكاء الاصطناعي أكثر فأكثر ضروري في حياتنا بدلاً من ترف لأنه أساسي لتعلم الحاسوب. تستطيع الحواسيب استخدام الذكاء الاصطناعي لكي تقتنص مبالغ البيانات الهائلة وتتخذ قرارات أمثل في جزء صغير من الوقت قياساً بالإنسان. على سبيل المثال يتم استعمال الذكاء الاصطناعي في المجال الطبي كي يشخص أمراضاً بشكل أسرع وأدق، ناهيك عن قدرته على تسريع اكتشاف العقاقير الجديدة. فوائد الذكاء الاصطناعي الطبية جوهرية في مجتمعنا المهدد بالأوبئة، ومثال واحد فقط لضرورته في العالم الحديث

قد يبدو الذكاء الاصطناعي كأنه حل لكل مشاكلنا أكثر مما هو تهديد للبشرية، ولكنه سلاح ذو حدين لا يخلو من المخاطر، فمن جهة سيلغي الحاجة إلى موظفين بشريين للكثير من المناصب، ومن جهة أخرى يقلق العديد من الناس بشأن آثار تتعلق بالخصوصية. في سياق حديثه عن إلغاء الوظائف، فتهدد طفرة الذكاء الاصطناعي مناصب من طبيعة متكررة – مثل فصل القمامة وغسل الأطباق وجمع الفاكهة وإجابة على المكالمات الهاتفية لخدمة العملاء، على سبيل المثال لا الحصر – لأن الذكاء الاصطناعي يمكنه أداء المهام بكفاءة أكبر وبتكلفة أقل. إذا سمحنا للذكاء الاصطناعي بالإلغاء بعض الوظائف، فيجب علينا أن نستثمر في التعليم لإعادة تدريب الأشخاص لمناصب مختلفة، مثلاً في مجال علم الحاسوب. أما بالنسبة للخصوصية، فتلاحظ بعض منظمات حقوق الإنسان أنه يوجد خطر حقيقي من أن الاستخدام التجاري والحكومي للذكاء الاصطناعي يمكن أن يؤثر بشكل ضار بحقوق الإنسان بسبب كمية البيانات الخاصة الهائلة التي تسجلها وتستخدمها، وستكون اللوائح حاسمة لضمان أن الذكاء الاصطناعي لا ينتهك حقنا في الخصوصية

لا أحد يعرف بالضبط كيف سيبدو المجتمع المبني على الذكاء الاصطناعي، ولكنه ومن المؤكد أن طفرة هذه التكنولوجيا قد بدأت بالفعل وهذا المستقبل يقترب بسرعة. لذلك يجب على الحكومات والشركات والمواطنين أن يتعاملوا مع بعض لضمان أن هذه الثورة التكنولوجية تساعدنا بدلاً من أن تعيقنا